قصة قصيرة جداً

في الأزريطة

في يوم من ايام شهر نوفمبر حيث بدايات اجواء الشتاء السكندري التي لا تفقد سحرها، و مظاهر البهجة قد رسمت على اوجه المارة و المتسكعين دون سن الخامسة والعشرين، والذين رغم تقلص المساحات العامة مازلوا قادرين على خلق مساحاتهم و الاستمتاع  بالمدينة. كنت في طريقي الى مكتبة الإسكندرية و كالعادة اقوم  بترك سيارتي المتواضعة في الجزء المخصص لانتظار السيارات بأرض كوته القريبة من المكتبة. منذ سنوات و تكلفة تذكرة وقوف السيارة هى عشرة جنيهات للمدة الواحدة، صباحية ً كانت او مسائية. عند دخولي في ذاك اليوم قال لي موظف الأمن و هو يبتسم ابتسامة مصرية ودود قد تحمل الكثير من المعاني:  ” سعر التذكرة  خمستاشر جنيه للساعة و كسر الساعة بخمسة “. في الحقيقة لو كنت اعلم بأمر هذه الزيادة لما ترددت في عدم المجئ  بالسيارة. لكن ماعلينا… دخلت و اوقفت السيارة و انا احدث نفسي : ما دا طبيعي، ما هو كل حاجة بتغلى في العالم كله مش بس في مصر، ماجتش على دي. و كمان ما هي الفلوس دى المفروض بتروح للمحافظة عشان تصرفها على الخدمات العامة اللى كلنا بنستفيد منها !٠

بعد ما تركت السيارة و اخذت في  المشي تجاه الباب الأقرب للمكتبة، إصطدمت بشئ ما و كنت على وشك ان افقد اتزاني. نظرت امامي لأجد مجموعة من البنات ” قاعدين على كراسي بلاستيك جوة الباركينج ! و بيضحكوا عليا “. لم ازل اقف في نفس المكان و لكني اصبحت شديد الحيرة. قد تعتقدون انني مستاءاً ” عشان كانوا بيضحكوا عليا ” لكن لم يكن هذا هو الحال على الإطلاق. ففي الحقيقة سبب حيرتي هو وجود اشخاص يتسامرون  جالسون على كراسي من البلاستيك ” جوة الباركينج ! ” و كمان كنت عايز اعرف ايه اللي انا اتكعبلت فيه دا؟ بعد تدقيق النظر اكتشفت انه هناك خيط رفيع يصعب رؤيته في ذلك الطقس الشتوي الرمادي اللون و في ظل غياب ضوء الشمس. هذا الخيط تم تثبيته و شده الى حجر على الارض و استخدم لحمل و تثبيت ما يشبه الخيمة لعمل تغطية لمجموعة البنات الجالسين على الكراسي البلاستيكية اسفلها، مكونةً بذلك كافيتريا من الإنشاءات الخفيفة ” جوة الباركينج ! “٠

هذه المنشأة هي واحدة من عدة منشآت اقيمت مؤخراً داخل ما نعرفه بأرض كوته. و التي هي قطعة من الفراغ مستطيلة الشكل ذات الموقع المميز جداً، حيث يطل ضلع المستطيل الكبير مباشرة علي كورنيش الإسكندرية بمنطقة الأزريطة. كذلك قربها الشديد من مكتبة الإسكندرية اكسبها شهرة ثقافية لما يقام عليها من معارض سنوية للكتاب. ايضاً من حين لآخر كنا نجد معارض للحرف اليدوية و المنتجات رخيصة السعر والتي تلقى رواجاً كبيراً. اذكر انه قبل العقد المنصرم تداولت بعض الأخبار ان المحافظة تعتزم انشاء فندق على هذه الأرض. لكن لم يحدث شئ حتى عام ٢٠١٩ عندما اعاد محافظ الإسكندرية آن ذك طرح مشروع الأصول غير المستغلة لصالح المدينة. كان على رأسها ارض كوته و التي كان مقرراً لها ان تصبح فندق ذو النجوم الخمس. لكن، مجدداً، لم يحدث اي تغير حيث استمر استغلالها كموقف للسيارات الى جانب المعارض التي تقام عليها مرة او مرتين في العام٠

” نرجع للحبل اللي اتكعبلت فيه “

تجاوزت هذه الخيمة حتى أصل للبوابة الحديدية القريبة من مدخل المكتبة و التي اعتدت الخروج منها. لم اجد ذالك الباب الحديدي المتواضع ” اللي كان دايماً مفتوح نص فتحة تعدي شخص واحد ” حيث استعيض عنه ببوابة شرفية ضخمة تشبه كثيراً أقواس نصر الدولة الرومانية التي اعتاد قياصرة الرومان المرور منها بجيوشهم الجرارة ! يمتاز تصميم هذه البوابة  بدمجه الكثير من تفاصيل و ملامح العمارة القديمة بدءاً من العمارة اليونانية و الرومانية مروراً بعمارة عصر النهضة حتي الطراز الباروكي الغني بالحليات والتفاصيل النحتية. و بذلك تعتبر تلك البوابة المهيبة اضافة جديدة لأبراج كبري ستانلي و كبري شارع خمسة و اربعين، شاهدين بذلك على العمارة المعاصرة  الحديثة بالإسكندرية و التي تعكس بدورها الهوية البصرية الأصيلة لمدينة ما قبل التاريخ !٠

و هو ما نعمل على الحفاظ عليه !٠

طبعاً بعد ما يخلص بناء البوابة هنلاقي البنات اللي كانوا قاعدين على القهوة ” جوة الباركينج ! ” رايحين يتصوروا عندها سيلفي، و الصور هتملى الفيس بوك و الانستجرام تحت هاش تاج : ذيس ايز اليكساندرية !!!٠

الملكية الفكرية للصور: الكاتب